ابن حزم

414

الاحكام

لهما جناح الذل من الرحمة ) * فإنما تعبدنا تعالى بأن نذل للأبوين ونرحمهما ، ولم يلزمنا تعالى قط أن ننطق ، ولا بد فيما بيننا بأن للذل جناحا ، وهذا لا خلاف فيه ، وليس كذلك الصلاة والزكاة والصيام ، لأنه لا خلاف في أن فرضا علينا أن ندعو إلى هذه الأعمال بهذه الأسماء بأعيانها ولا بد ، وبالله تعالى التوفيق . واحتج من منع من المجاز بأن قال : إن المجاز كذب ، والله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يبعدان عن الكذب . قال علي : فيقال له صدقت وليس نقل الله تعالى الاسم عما كان علقه عليه في موضع ما إلى موضع آخر كذبا ، بل هو الحق بعينه ، لان الحق هو ما فعله تعالى والباطل هو ما لم يأمر به أو لم يفعله ، ومن ظن أن هنا حقا هو عيار على الله تعالى ، وزمام على أفعاله يلزمه عز وجل أن يجري أفعاله عليه فقد كفر ، وقد تكلمنا في هذا في باب إثبات حجج العقول ، ونستوعب الكلام فيه إن شاء الله تعالى في باب إبطال العلل من كتابنا هذا ، وقد تكلمنا على ذلك أيضا في كتابينا الموسومين بالتقريب والفصل كلاما كافيا ، وبالله تعالى التوفيق . وليست الأسماء موضوعة على المسميات ، إلا إما بتوقيف وإما باصطلاح ، ولا موقف إلا الله عز وجل ، فإذا أوقع الموقف الأول - عز وجل - اسما ما على مسمى ما في مدة ما ، أو في معنى ما ، ثم نقل ذلك الاسم إلى معنى آخر ، في مكان آخر ، فلا كذب في ذلك ، ولا للكذب ههنا مدخل ، وإنما يكون كاذبا من نقل منا اسما عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر يلبس به بلا برهان ، فهذا هو الكاذب الآفك الأثيم ، وكذلك لو اصطلح اثنان على أن يسميا شيئا ما اسما ما - مخترع من عندهما أو منقول عن شئ آخر - يتفاهما به لا ليلبسا به فلا كذب في ذلك ، فإذا جاز هذا فيما بيننا فهو للذي يلزم للجميع أن يعبدوه ويطيعوه ما أمكن ، وهو بذلك تعالى أولى . والتلبيس في هذا هو من قال : العسل حلال ، والمسكر من مصراة عسل فهو حلال ، فهذا كاذب ، فإنه أتى إلى عين سماها الله عز وجل خمرا - والخمر حرام - فسماها بغير اسمها ليستحلها بذلك ، وقد أنذر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي ، عن محمد بن إسحاق القاضي ، عن ابن الأعرابي ، عن